تسع سنوات من رؤية 2030: بين الإنجاز والمعايرة
في الخامس والعشرين من أبريل 2025، أعلنت المملكة العربية السعودية في التقرير السنوي لرؤية 2030 عن مسيرة تحول لا مثيل لها في العالم النامي خلال العقود الأخيرة: 85% من 1,502 مبادرة إما مكتملة أو تسير على المسار الصحيح، و93% من المؤشرات الرئيسية إما محققة أو على مقربة من التحقق، فضلاً عن 8 أهداف كانت مرسومة لعام 2030 حققتها المملكة بالفعل قبل موعدها بست سنوات كاملة — من بينها جذب 100 مليون زائر سنوياً وتسجيل مواقع تراث على قائمة اليونسكو.
غير أن عام 2025 شهد كذلك صدمة إعادة المعايرة الأكبر منذ إطلاق الرؤية: تعليق بناء ذا لاين في سبتمبر 2025، وكشف صندوق الاستثمارات العامة عن تخفيض حاد لميزانيات المشاريع العملاقة — بعضها بنسبة تصل إلى 60% — وتأجيل ألعاب آسيا الشتوية التي كانت مقررة لتروجينا 2029، وعمليات شطب بقيمة 8 مليارات دولار. ما يجري ليس فشلاً بالمعنى المطلق؛ إنه انتقال من مرحلة التطلع الطموح إلى مرحلة الاستحقاق الاقتصادي في ظل أسعار نفط تبقى دون مستوى التعادل المالي.
الاقتصاد: الأرقام الحقيقية في 2024-2025
الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للمملكة بلغ 936.8 مليار دولار في 2024، في حين نما الناتج غير النفطي بنسبة 4.2% حسب تقديرات صندوق النقد الدولي — مدفوعاً بالاستهلاك الخاص وتوسع الاستثمار في قطاعات التجزئة والضيافة والإنشاء. ورفع البنك الدولي في أكتوبر 2025 توقعات نمو الناتج لعام 2025 إلى 3.2% بعد أن سجل الناتج نمواً فعلياً بلغ 3.9% في النصف الأول من العام، ثم تسارع في الربع الرابع ليصل إلى 4.9% وفق القراءة الأولية. البنك الدولي يتوقع تسارعاً إضافياً إلى 4.3% في 2026 و4.4% في 2027.
الإيرادات غير النفطية ارتفعت من 163 مليار ريال عام 2016 إلى ما يعادل 515 مليار ريال ($137.29 مليار دولار) — نمو 113% على المقارن الأساسي، وإن كان صندوق النقد الدولي يلاحظ أن معدل نمو الناتج غير النفطي الحقيقي للفترة 2017-2024 يبقى أدنى من معدل الفترة 2007-2015، مما يعني أن الدخل النفطي لا يزال المحرك الرئيسي للدورة الاقتصادية. مؤشر PMI غير النفطي وصل في أكتوبر 2025 إلى 60.2 نقطة — ثاني أعلى مستوى في أكثر من عقد — في مؤشر قوي على زخم القطاع الخاص. أما الاستثمار الأجنبي المباشر فقد تراجع إلى 20.7 مليار دولار في 2024 ليسجل أدنى مستوياته في ثلاث سنوات، وهو أحد أكثر المؤشرات تخلفاً عن أهدافه.
صندوق الاستثمارات العامة: إعادة الهيكلة الكبرى
بدأ صندوق الاستثمارات العامة عام 2015 بأصول 150 مليار دولار وأقل من 50 موظفاً. بحلول نهاية 2024 بلغت أصوله 941 مليار دولار (3.53 تريليون ريال) عبر محفظة تضم أكثر من 220 شركة وأكثر من 4,000 موظف. لكن فبراير 2026 شهد كشف الصندوق عن استراتيجية 2026-2030 الجديدة التي تمثل أكبر إعادة معايرة منذ إطلاق الرؤية.
الاستراتيجية الجديدة تركز على ستة نظم بيئية: السياحة والسفر والترفيه؛ التطوير العمراني؛ التصنيع المتقدم والابتكار؛ الصناعة والخدمات اللوجستية؛ الطاقة النظيفة؛ ونيوم بوصفه نظاماً بيئياً مستقلاً. الأولويات القصوى التي تتصدر قائمة الاستثمار هي إكسبو 2030 في الرياض وكأس العالم 2034. وقد وافق مجلس إدارة الصندوق في نهاية 2024 على تخفيضات حادة في ميزانيات بعض المشاريع بلغت حتى 60%، مع تخفيض الإنفاق الرأسمالي الإجمالي بنسبة تصل إلى 15%.
المشاريع العملاقة: تحول المشهد في 2025
وفق تقرير نايت فرانك للمشاريع العملاقة 2025، ارتفعت قيمة العقود المُبرمة 20% عام 2025 لتبلغ 196 مليار دولار. تُعدّ الدرعية الأكثر تقدماً في التنفيذ الفعلي بعقود منجزة تبلغ 14.5 مليار دولار وخط تنفيذ إضافي بـ45.6 مليار. القدية حققت انطلاقة فعلية بافتتاح Six Flags وأكواريبيا وDragon Ball في ديسمبر 2025. أما نيوم فقد مُنحت عقوداً بإجمالي 24 مليار دولار لكنه شهد تحولاً جذرياً.
وضع ذا لاين — محور نيوم — تغير تغيراً جوهرياً في النصف الثاني من 2025. في سبتمبر أوقف صندوق الاستثمارات العامة البناء رسمياً حتى إشعار آخر، فيما كشفت صحيفة فاينانشيال تايمز أن معماريين يعملون على إعادة تصميم كامل لتحويل المشروع إلى نموذج "أكثر تواضعاً" يستفيد من البنية التحتية القائمة، مع توجه نحو تحويله إلى مركز للصناعة ومراكز البيانات. ذا لاين الذي كان بحدود 170 كيلومتراً ويستوعب 9 ملايين ساكن صار هدفه تقليصاً حتى 2.4 كيلومتر ونحو 300,000 نسمة بحلول 2030. من كلّف 8.8 تريليون دولار وفق التقديرات الداخلية، وتوقع الاكتمال في 2045-2080، بات مرحلةً أولى يُرتقب أن تكتمل ببضعة كيلومترات مع ملعب كأس العالم. تروجينا تواجه تأجيل ألعاب آسيا الشتوية إلى أجل غير مسمى. مع ذلك يقول نيوم علناً إن ذا لاين "يبقى أولوية استراتيجية".
التحول الاجتماعي: إنجازات حقيقية وفجوات مستمرة
التحول الاجتماعي في المملكة هو ربما الأكثر رسوخاً وصعوبة في الإلغاء من بين جميع محاور رؤية 2030. مشاركة المرأة في سوق العمل ارتفعت من 17% عام 2016 إلى 36.2% في الربع الثالث من 2024 — متجاوزةً مستهدف 30% بست نقاط كاملة. والأكثر دلالة أن 45% من الشركات الصغيرة والمتوسطة باتت مملوكة لنساء. عدد موظفي SMEs ارتفع من 4.7 مليون عام 2020 إلى 7.8 مليون في 2024. تحققت كل هذه القفزة في ظل تحرر مجتمعي حقيقي: رفع الحظر عن قيادة السيئارات في 2018، وإلغاء اشتراط إذن وليّ الأمر لقطاع واسع من القرارات، وفتح أبواب الجيش والقضاء وقطاعات كثيرة كانت حكراً على الرجال.
في المقابل، لا يزال تقرير الفجوة بين الجنسين الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي 2025 يصنف المملكة في المرتبة 132، فيما تقول دراسات أكاديمية إن معدل مشاركة المرأة في سوق العمل ظل ثابتاً في نطاق 33-36% منذ 2020 دون تقدم إضافي، وأن النساء لا يزلن نادرات في المناصب القيادية العليا. الأمر ذاته ينطبق على مؤشرات البيئة: المملكة في المرتبة 108 على مؤشر الأداء البيئي بينما كان المستهدف المرتبة 70.
قطاع الترفيه حقق نقلة نوعية موثقة. 76.9 مليون زيارة لفعاليات ترفيهية في 2024. عدد الأندية الرياضية ارتفع من ما قبل الرؤية إلى 128 ناديًا، والاتحادات الرياضية من 32 إلى 97. إيرادات السياحة الدولية سجلت ارتفاعاً بنسبة 148% مقارنة بعام 2019.
التحديات الهيكلية: ما يقوله الاقتصاديون المستقلون
يُجمع كبار المحللين الاقتصاديين المستقلين على أن رؤية 2030 حققت نتائج مبهرة في بعض المجالات، لكنها تواجه ثلاثة تحديات هيكلية جوهرية. أولاً: الاستدامة المالية — سعر التعادل للنفط في الميزانية ارتفع بأكثر من خمس نقاط مئوية منذ 2020، وعجز الموازنة يستقر عند 32 مليار دولار سنوياً، فيما تراجع الحساب الجاري إلى عجز بنسبة 0.5% من الناتج في 2024 للمرة الأولى منذ سنوات. الدين الحكومي في ارتفاع مستمر ومتوقع أن يصل إلى 34% من الناتج في 2027. ثانياً: هشاشة الاستثمار الأجنبي — تراجع FDI إلى 20.7 مليار دولار يعني أن تدفقات الاستثمار الخارجي لا تزال أدنى بكثير من مستهدف 100 مليار دولار سنوياً، وهو مستهدف بدا طموحاً منذ البداية. ثالثاً: الإنتاجية — يُشير صندوق النقد الدولي إلى أن السياسات الصناعية يجب أن "تكمل" الإصلاح الهيكلي لا أن "تحلّ محله"، وأن الاستثمار العام الكثيف ينطوي على خطر إزاحة القطاع الخاص من مساحات كان يمكنه شغلها بصورة أكثر كفاءة.
في المقابل، يؤكد المحللون الأقرب لمتابعة الميدان أن الأرقام التشغيلية — نمو PMI، ارتفاع إيرادات السياحة، تسارع العقود — تدل على زخم حقيقي. ومن جهته يقول معهد بيكر في جامعة رايس إن إعادة المعايرة الجارية في 2025-2026 قد "تعزز ثقة المستثمرين" إذا نجحت في إحلال نسخ أكثر واقعية من المشاريع محل طموحات كانت "خيالية" وفق بعض خبراء التخطيط العمراني.
القراءة الاستراتيجية: 2026-2030
في عام 2030 ستكون المملكة العربية السعودية دولةً مختلفة جوهرياً عمّا كانت عليه في 2016. القفزات في مشاركة المرأة والسياحة والترفيه وعدد المقار الإقليمية للشركات العالمية وأصول الصندوق السيادي لا رجعة عنها. لكن التساؤل الجوهري لم يُجب عليه بعد: هل سيتمكن الاقتصاد من توليد نمو مستدام مستقل عن دورة النفط حين تضيق الفجوات في الإنفاق الرأسمالي العام؟
الرهان الجديد للمرحلة القادمة هو الذكاء الاصطناعي والمعادن والتصنيع — وليس فقط البناء والسياحة. استراتيجية PIF 2026-2030 تضع هذه القطاعات في القلب، وشراكات HUMAIN مع NVIDIA وGoogle وAmazon وMicrosoft تُشير إلى توجه واضح نحو اقتصاد المعرفة. كأس العالم 2034 وإكسبو 2030 يوفران محركَين للطلب بافقٍ زمني محدد وقابل للاستثمار الخاص. الأربع سنوات القادمة ستحسم ما إذا كانت رؤية 2030 قد أرست قواعد نموذج اقتصادي جديد، أم أنها حققت تحولاً موجَّهاً بالإنفاق يتراجع بمجرد أن يتراجع التمويل السيادي.
مؤشرات التقدم الكاملة · المشاريع العملاقة · التحليل الاقتصادي · مؤشرات التقدم الكاملة · للاطلاع على التقرير الرسمي الكامل: التقارير السنوية الرسمية لرؤية 2030 · صندوق الاستثمارات العامة · وزارة الاستثمار (ميسا) · تقرير صندوق النقد الدولي 2025